
القاعدة الحادية والأربعون
يرشد الله عباده في كتابه من جهة العمل إلى قصر نظرهم إلى الحالة الحاضرة التي هم فيها، ومن جهة الترغيب فيه، والترهيب من ضده إلى ما يترتب عليها من المصالح، ومن جهة النعم إلى النظر إلى ضدها
وهذه القاعدة الجليلة دلَّ عليها القرآن في آيات عديدة، وهي من أعظم ما يدل على حكمة الله، ومن أعظم ما يرقى العاملين إلى كل خير ديني ودنيوي، فإن العامل إذا كان مشتغلًا بعمله الذي هو وظيفة وقته؛ فإن قصر فِكره وظاهره وباطنه عليه نجح، وتم بحسب حاله.وإن نظر وتشوفت نفسه إلى أعمال أخرى لم يحنْ وقتها بعدُ فترت عزيمته، وانحلت همته، وصار نظره إلى الأعمال الأخرى يَنقص من إتقان عمله الحاضر وجمع الهمة عليه، ثم إذا جاءت وظيفة العمل الآخر جاءه وقد ضعفت همته وقلَّ نشاطه.وربما كان الثاني متوقفًا على الأول في حصوله أو تكميله، فيفوت الأول والثاني، بخلاف من جمع قلبه وقالبه وصار أكبر همه القيام بأمله الذي هو وظيفة وقته، فإنه إذا جاء العمل الثاني فإذا هو قد استعدَّ له بقوة ونشاط، وتلقاه بشوق، وصار قيامه بالأول معونة على قيامه بالثاني.ومن هذا قوله تعالى مصرحًا بهذا المعنى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء: ٧٧]، فانظر كيف حالهم الأولى وأمنيتهم وهم مأمورون بكف الأيدي، فلما جاء العمل الثاني ضعفوا كل الضعف عنه.ونظير هذا ما عاتب الله به أهل أُحد في قوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران: ١٤٣].وقد كشف هذا المعني كل الكشف؛ قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء: ٦٦]؛ لأن فيه تكميلًا للعمل الأول، وتثبيتًا من الله، وتمرنًا على العمل الثاني.ونظيره قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ [التوبة: ٧٥، ٧٦].فالله أرشد العباد أن يكونوا أبناء وقتهم، وأن يقوموا بالعمل الحاضر ووظيفته، ثم إذا جاء العمل الآخر صار وظيفة ذلك الوقت، واجتمعت تلك الهمة والعزيمة عليه، وصار القيام بالعمل الأول معينًا على الثاني، وهذا المعنى في القرآن كثير.وأما الأمور المتأخرة، فإن الله يرشد العاملين إلى ملاحظتها؛ لتقوى هممهم على العمل المثمر..الشيخ: هذه المسألة التي ذكرها الشق الأول، وهو أن الإنسان ينبغي له أن يعتني بالعمل الذي بين يديه؛ لأن العمل اللي بين يديك هو وظيفة وقتك.بعض الناس يفرط فيه من وجهين:الوجه الأول: أنه يتساهل ويتهاون، يقول: هذه مسألة بسيطة، هذا عمل قليل، فيضيع عليه الوقت، فإذا حصره الوقت عجز عنه، وإذا عجز عنه انتقل هذا العمل من وظيفته الزمنية إلى وظيفة العمل الثاني، فضيق عليه وعجز عن القيام بهما، وعلى هذا يقول صاحب الحكمة: لا تؤخر عمل اليوم لغدٍ.وما أكثر ما يظن الظانُّ أن هذا العمل يسير وأنه سيخلصه، ثم يتمادى به الأمر فيعجز، وإذا قابل الإنسان هذا العمل بهمة ونشاط وبدأ به فورًا ولم يتوانَ فيه، أدركه على سهولة وأتقنه وأجاده. هذه واحدة، هل تقع هذه في أعمالكم اليومية؟الطلبة: نعم.الشيخ: تقع، وهذا بسيط، أكتب هذا إن شاء الله عقبى شوي، المهم يروح عليك الوقت ما كتبته، لكن إذا عملت استرحت، وجربْ تجدْ، انتهز الفرصة كما قال الشاعر:| وَانْتَهِزِ الْفُرْصَةَ إِنَّ الْفُرْصَه | تَكُونُ إِنْ لَمْ تَنْتَهِزْهَا غُصَّه |
***
الطالب: وأما الأمور المتأخرة، فإن الله يرشد العاملين إلى ملاحظاتها؛ لتقوى هممهم على العمل المثمر للمصالح والخيرات، وهذا كالترغيب المتنوع من الله على أعمال الخير، والترهيب من أفعال الشر بذكر عقوباتها وثمراتها الذميمة، فاعرف الفرق بين النظر إلى العمل الآخر الذي لم يجئ وقته، وبين النظر إلى ثواب العمل الحاضر الذي كلما فترت همة صاحبه وتأمل ما يترتب عليه من الخيرات استجدَّ نشاطه وقوي عليه، وهانت عليه مشقته، كما قال تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤].وأما إرشاده من جهة النعم التي على العبد..الشيخ: هذه الآية أيضًا حطها على بالك؛ كل عدو لك إذا كنت تعاني منه فإنه يعاني منك مثلما تعاني منه، سواء كان هذا عدوًّا بالسلاح، أو بالأفكار، أو بكل شيء، لكن الفرق بالنسبة للمسلمين وأعدائهم وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ، هذا يخفف عنَّا كثيرًا.أولًا: إذا كانوا يألمون كما نألم، فهذا من باب التأسي والتسلي.والثاني: إذا كان نرجو من الله ما لا يرجون، فهذا من باب الترقي، نحن أرقى منهم، إي نعم، مثلما قالوا لأبي سفيان: لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار ، إي نعم.***
الطالب: وأما إرشادهم من جهة النعم التي على العبد مِنَ الله بالنظر إلى ضدها ليعرف قدرها ويزداد شكره لله، ففي القرآن منه كثير، يُذكِّر عباده نعمته عليهم بالدين والإسلام وما ترتب على ذلك من النعم، كقوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًاإلى قوله: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣] أي: إلى الزيادة لشكر نعم الله.وقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: ٢٦]، وقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [القصص: ٧٢] إلى آخر الآيات.حيث يذكرهم أن ينظروا إلى ضد ما هم فيه من النعم والخير ليعرفوا قدر ما هم فيه، وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» .وقوله تعالى: فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف: ٦٩]، وقوله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىإلى آخره [الضحى: ٦ - ٨].***
القاعدة الثانية والأربعون
في أن الله قد ميز الله في كتابه بين حقه الخاص وحق رسوله الخاص والحق المشترك
الحقوق ثلاثة؛ حق لله وحده لا يكون لغيره، وهو عبادتُه وحده لا شريك له بجميع أنواع العبادات، وحق لرسوله صلى الله عليه وسلم خاص به، وهو التعزير والتوقير والقيام بحقه اللائق والاقتداء به، وحق مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله، وطاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، وقد ذكر الله الحقوق الثلاثة في آيات كثيرة من القرآن.فأما حقه؛ فكل آية فيها الأمر بعبادته وإخلاص العمل له والترغيب في ذلك، وهذا شيء لا يحصى، وقد جمع الله ذلك في قوله: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الفتح: ٩] فهذا مشترك، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُفهذا خاص بالرسول، وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًافهذا حق لله وحده.وقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: ٥٩] في آيات كثيرة، وكذلك: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: ١٣٦]، وكذلك قوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩] فهذا مشترك، إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَهذا مختص بالله، ولكن ينبغي..الشيخ: إِنَّا إِلَى رَبِّنَاعندكم: إِلَى اللَّهِ، قرأتها إِلَى اللَّهِهي إِلَى رَبِّنَا، فيها في التوبة إِلَى اللَّهِ [التوبة: ٥٩] وفي (ن): إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ [القلم: ٣٢].طالب: اللي في التوبة إِنَّا إِلَى اللَّهِ [التوبة: ٥٩]. الشيخ: واللي وفي (ن) إِنَّا إِلَى رَبِّنَا، النسخة اللي عندنا بخط المؤلف إِنَّا إِلَى رَبِّنَا(...).طالب: (...). الشيخ: خلاص نقرؤها، ما دام في آية ثانية.***
الطالب: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَهذا مختص بالله تعالى، ولكن ينبغي أن يعرف العبد أن الحق المشترك ليس معناه أن ما لله منه يثبت نظيره من كل وجه لرسوله، بل المحبة والإيمان والطاعة لله لا بد أن يصحبها التعبد والتعظيم لله والخضوع، وأما المتعلق بالرسول من ذلك، فإنه حب في الله وطاعة؛ لأجل أن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، بل حق الرسول على أمته من حق الله، فيقوم المؤمن به امتثالًا لأمر الله وعبودية له، وقيامًا بحق رسوله وطاعة له.وإنما قيل له: حق الرسول؛ لتعلقه بالرسول، وإلا فجميع ما أمر الله به وحثَّ عليه من القيام بحقوق رسوله وحقوق الوالدين والأقارب وغيرهم كله حق لله تعالى، فيقوم به العبد امتثالًا لأمر الله وتعبدًا له، وقيامًا بحق ذي الحق وإحسانًا إليه، إلا الرسول؛ فإن الإحسان منه كله إلى أمته، فما وصل إليهم خيرٌ إلا على يديه صلى الله عليه وسلم تسليمًا.الشيخ: خلاصة هذه القاعدة: أن الحقوق تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ حق لله، وحق للرسول صلى الله عليه وسلم، وحق مشترك.وهناك أيضًا حق رابع لا لله ولا للرسول، ولكنه لذوي الحقوق كحق الوالدين والأقارب، وما أشبه ذالك، ولكن كلام المؤلف الأخير يدلنا على أن كل شيء أمر الله به سواء مما يختص به أو مما يكون لخلقه فهو بالمعني العام من حقوق الله؛ لأن أنا حينما أبر والدي أقوم بذلك تعبد لله وامتثالًا لأمر الله، كذلك حق النبي عليه الصلاة والسلام، لولا أن الله أكرمه بالرسالة وأوجب علينا تصديقه واتباعه لكان هو رجلًا من قريش، ولكن من أجل الله عز وجل صار بهذه المكانة، فالإيمان بالله وبرسوله لا يستويان وإن اتفقا في أصل الإيمان لكنهما يختلفان؛ فالإيمان بالله إيمان بالله لذاته لأنه الرب، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إيمان بالله؛ لأن الله أرسله وأمرنا بالإيمان به، فهما وإن اتفقا في الأصل لكنهما يختلفان.ومن سفه بعض الناس أنهم يجعلون حق الله متأخرًا عن حق الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقدمون حق الرسول صلى الله عليه وسلم على حق الله، وما علموا أن تعظيم الرسول من تعظيم الله، وليس تعظيم الله من تعظيم الرسول، بل الأمر بالعكس، فتعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام من تعظيم الله؛ ولهذا قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠].إذن القاعدة هذه من قواعد التفسير: أننا إذا تأملنا القران وجدنا أن الحقوق التي في القران التي أثبتها الله تنقسم إلى أربعة أقسام: حق لله، وحق للرسول، وحق مشترك بينهما، وحق رابع لذوي الحقوق، قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى [النساء: ٣٦] إلى آخره.فـاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاهذا يتضمن حق الله وحق رسوله؛ لأنها لا تكون عبادة إلا باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام.أما وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىإلى آخره فهذا من حقوق أيش؟ حقوق ذوي الحقوق.قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ [الفتح: ٩] لماذا عرفنا أن بعضها لله، وبعضها للرسول، وبعضها مشترك؟ لأن لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِواضح أنه يجب علينا أن نؤمن بالله ورسوله، والاشتراك بينهما ظاهر.وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُالتعزير والنصرة والتوقير والاحترام لمن؟الطلبة: للرسول.الشيخ: للرسول عليه الصلاة والسلام.وَتُسَبِّحُوهُالتسبيح لله؛ إذ إننا نعلم بالضرورة من الدين أنه لا يصح أن نقول: سبحان النبي، أبدًا، بل نقول: سبحان الله، فصار الدليل على أن هذه الحقوق منها مختص، ومنها مشترك، الدليل؛ إما من نفس الآية، وإما من أدلة أخرى.طالب: يا شيخ، التعزير والتوقير ما يصح أن يكون مشتركًا؟الشيخ: ما يصح (...) وقروا الله، بل أعظِّم الله.***
القاعدة الثالثة والأربعون
يأمر الله بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي يُخشى من عواقبها، ويأمر ويحث على المبادرة على أمور الخير التي يُخشى فواتها
وهذه القاعدة في القرآن كثيرة؛ قال تعالى في القسم الأول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء: ٩٤]، وفي قراءة: فَتَثَبَّتُوا، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات: ٦]. وقد عتب الله المتسرعين إلى إذاعة الأخبار التي يخشى من إذاعتها، فقال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْالآية [النساء: ٨٣]، وقال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس: ٣٩].ومن هذا الباب: الأمر بالمشاورة في الأمر وأخذ الحذر، وأن يقول الإنسان ما لا يعلم، وفي هذا آيات كثيرة.وأما القسم الثاني فقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُالآيات، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: ١٤٨]..طالب آخر: سَارِعُوا [آل عمران: ١٣٣].الشيخ: نشوف الآن، اللفظ ويش يناسب سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ٢١]؟ هذا لفظ الآية، الآية التي ذكرها المؤلف ما تستقيم؛ لأنه قال: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، الآية الثانية: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران: ١٣٣]، إذن يكون الصواب هنا: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ. طالب: (...)؟الشيخ: إي نعم، هذا مبتدأ الآية.***
الطالب: وأما القسم الثاني فقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُالآيات فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون: ٦١]، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: ١٠] أي: السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون في الآخرة إلى الجنات والكرامات، والآيات كثيرة في هذا المعنى.وهذا الذي أرشد الله عباده إليه هو الكمال؛ أن يكونوا حازمين لا يفوتون فرص الخيرات، وأن يكونوا متثبتين خشية وقوع المكروهات والمضرّات، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].الشيخ: نعم، هذه القاعدة قاعدة مهمة جدًّا؛ فالأمور ثلاثة أقسام، ما علمت مضرته فالإقدام إليه أيش؟الطلبة: حرام.الشيخ: لا يجوز، لا بالمسارعة ولا بالتأني، ما علمت مضرته فالإقدام إليه لا يجوز لا بتأنٍّ ولا بسرعة.وما علمت منفعته، فهنا المبادرة إليه؟طالب: واجب.الشيخ: هو الأكمل وجوبًا أو تطوعًا، حسب ما تقضيه الحال، فالمسارعة إليه هي الأكمل، لكن هنا قد يكون الشيء منفعة في ذاته، ولكن يتردد الإنسان بين كون غيره أنفع منه أو هو أنفع من غيره، وحينئذٍ يجب التثبت والتروي، هو خير في ذاته، لكن يتردد الإنسان بين كون غيره أنفع أو هو أنفع، فحينئذ يتثبت؛ لأن الإنسان لا يدري أخير هو أم غير خير؟ لا باعتبار ذاته، لكن باعتبار أيش؟ باعتبار غيره، إذن هذا يدخل في القسم الثاني وهو المشكوك فيه الذي يجب أن نتثبت فيه.فهنا ثلاثة أقسام؛ قسم علم مضرته فلا نقدم عليه لا مبادرة ولا تأنيًا، وقسم آخر علمت منفعته فنقدم إليه، وقسم ثالث يتردد فيه الإنسان ويحتاج إلى تثبت فنتثبت فيه قبل أن نقدم عليه، ويدخل في ذلك ما أشكل علينا بذاته وما أشكل علينا بمقارنته مع غيره، هل هو أنفع أم غيره أنفع؟ ولهذا يقول الشاعر:| قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِه | وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ |
| وَرُبَّمَا فَاتَ قَوْمًا جُلُّ أَمْـــــــــــــــرِهِمُ | مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْ عَجِلُوا |
| قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِه | وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ |
| وَرُبَّمَا فَاتَ قَوْمًا جُلُّ أَمْـــــــــــرِهِمُ | مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْ عَجِلُوا |
***
القاعدة الرابعة والأربعون
عند ميلان النفوس أو خوف ميلانها إلى ما لا ينبغي يذكِّرها الله ما يفوتها من الخير وما يحصل لها من الضرر
وهذا في القرآن كثير، وهو من أنفع الأشياء في حصول الاستقامة؛ لأن الأمر والنهي المجرد لا يكفي أكثر الخلق في كفهم عما لا ينبغي، حتى يقرن بذلك ما يفوت من المحبوبات التي تزيد أضعافًا مضاعفة على المكروه الذي يكرهه الله وتميل إليه النفس وما يحصل من المكروه المرتب عليه، كذلك قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٢٨]، فهنا لما ذكر فتنة الأموال والأولاد التي مالت بأكثر الخلق عن الاستقامة، قال مذكرًا لهم ما يفوتهم إن افتتنوا وما يحصل لهم إن سلموا من الفتنة: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٨].وقال تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [النساء: ١٠٩]، وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: ٢٠]، وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧].والآيات في هذا المعنى الجليل كثيرة جدًّا، فإذا بان للناظر أصلها وقاعدتها سهل عليه تنزيل كل ما يرد منها على الأصل المتقرر، والله أعلم.الشيخ: هذه القاعدة يفيد المؤلف رحمه الله: أن الأوامر والنواهي في حد ذاتها قد لا تكفي في استقامة العبد، لكن إذا ذكر له ما في الأمر من فائدة تنفيذِه نشط؛ لأن النفوس مجبولة على حب ما يلائمها، وإذا ذكر له في النهي ما يقتضي العقوبة فإنه يحذر؛ لأن النفوس مجبولة على النفور مما لا يلائمها، وهذا واضح، حتى في أوامرك أنت في ولدك، لو قلت لولدك: افعل كذا، قد يتواني، لكن إذا أعطيته جائزة، أو قلت: لك جائزة، أقدِمْ.فالله عز وجل أحيانًا إذا ذكر حال من الأحوال التي تميل إليها النفوس وربما تنسى ما يجب عليها من حق الله ذكرها، فهنا قال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌيعني: يفتن بها الإنسان وينشغل بها عن طاعة الله عز وجل، ولما كان هذا سببًا لميل الإنسان إلى أمواله وأولاده قال: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌفلا تقدموا هؤلاء الأولاد والأموال على ما عند الله من الأجر.وكذلك الآيات التي ذكرها المؤلف رحمه الله: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ولنفرض أنكم نجحتم في ذلك، لكن من يجادل الله عنهم يوم القيامة، وهذه الآية تنفع في الدنيا وفي الدين أيضًا، فنقول لمن جادل بباطل: لنفرض أنك لبيانك وفصاحتك غلبت صاحب الحق، ولكن هل تغلب الله يوم القيامة؟ لا.وكذلك أيضًا من دافع عن باطل وتوكل عن إنسان في قضية مالية يدافع عنه بباطل، فنقول: لنفرض أنك نجحت وخَصَمْتَ خصمَك، لكن من يجادل الله يوم القيامة؟وهذه آية عظيمة ينبغي للإنسان أن يتذكرها كلما همت نفسه أن يقوم بمخالفة لله سبحانه وتعالى.وكذلك أيضًا الآية الثالثة وهي قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، وهذه الآية أيضًا نُؤْتِهِ مِنْهَامقيدة بآية أخرى، وهي قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨]، إذن هل يحصل له كل ما يريد؟ لا، بل هو مقرون بمشيئة الله؛ ولهذا نجد ناسًا يركضون للدنيا ولا ينالون منها شيئًا، وهم لا يريدون إلا الدنيا، ومع ذلك لا ينالون منها شيئًا؛ ولهذا يُضرَب المثل بفقير النصارى إذا واحد أفلس في شيء من الأشياء قالوا: أنت مثل فقير النصارى؛ لا حصل الدين ولا دنيا، ومعلوم أن النصارى وغيرهم من الكفار يسعون للدنيا لا للآخرة، ومع ذلك قد يصابون بالفقر المدقع وبالهلاك وبالأمراض، وبكل شيء.فتكون هذه الآية: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَايقينًا، ولَّا لا؟ لو نظرنا إلى الآية هذه نفسها لكانت يقينًا؛ لأنها جملة شرطية خبرية، وخبر الله لا يخلف، لكن هذه الآية مقيدة بقوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُمَا نَشَاءُما هو ما يشاء هو، لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا.طالب: (مِن) -يا شيخ- ما تفيد التبعيض؟الشيخ: ما يخالف، لا لشيء أبدًا؛ يعني ما هو بيعطاها كلها، ما يمكن هذا.***
القاعدة الخامسة والأربعون
حثَّ الباري في كتابه على الصلاح والإصلاح
هذه القاعدة من أهم القواعد، فإن القرآن يكاد أن يكون كله داخلًا تحتها؛ فإن الله أمر بالصلاح في آيات متعددة..الشيخ: (يكاد أن يكون) عندك ولَّا (يكاد يكون)؟الطالب: (يكاد أن يكون).الشيخ: أيهما الصح؛ (أن يكون)، ولّا (يكون)؟طالب: الحذف.الشيخ: الحذف، قال الله تعالى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] ولَّا: أن يفعلوا؟طالب: (...).الشيخ: لكن الأفصح عدم الاقتران.قال ابن مالك:| وَكَوْنُهُ بِدُونِ (أَنْ) بَعْدَ (عَسَى) | نَزْرٌ وَ(كَادَ) الْأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا |
***
الطالب: فإن الله أمر بالصلاح في آيات متعددة والإصلاح، وأثنى على الصالحين والمصلحين في آيات أخر.والصلاح: أن تكون الأمور كلها مستقيمة معتدلة مقصودًا بها غايتها الحميدة، فأمر الله بالأعمال الصالحة وأثنى على الصالحين؛ لأن أعمال الخير تصلح القلوب والإيمان، وتصلح الدين والدنيا والآخرة، وضدها فساد هذه الأشياء.وكذلك في آيات متعددة فيها الثناء على المصلحين ما أفسد الناس والمصلحين بين الناس، والتصالح فيما بين المتنازعين، وأخبر على وجه العموم أن الصلح خير، فإصلاح الأمور الفاسدة السعي في إزالة ما تحتوي عليه من الشرور والضرر العام والخاص.ومن أهم أنواع الإصلاح: السعي في إصلاح أحوال المسلمين في إصلاح دينهم ودنياهم، كما قال شعيب: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨].فكل ساعٍ في مصلحةٍ دينية أو دنيوية للمسلمين فإنه مصلح، والله يهديه ويرشده ويسدده، وكل ساعٍ بضد ذلك فهو مفسد، والله لا يصلح عمل المفسدين.ومن أهم ما يكون أيضًا: السعي في الصلح بين المتنازعين، كما أمر الله بذلك في الدماء والأموال.الشيخ: هل تحفظون آية في الثناء على المصلحين؟طالب: في سورة الحجرات.الشيخ: غيرها، هذا أمر بالإصلاح.الطالب: في سورة النساء.الشيخ: ويش هي؟الطالب: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ.الشيخ: لا، نريد الإصلاح عامة. طالب: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا [العنكبوت: ٦٩].الشيخ: لا، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف: ١٧٠]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: ١١٧]، ففي الآية الأولى بيَّن الله جزاءهم، وفي الآية الثانية بيَّن الله ما ارتفع عنهم من العذاب بسبب إصلاحهم؛ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ، والآية الثانية اللي ذكرت وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَانتبه لهذا الشرط: أَهْلُهَا مُصْلِحُونَولم يقل: أهلها صالحون.إذن فالصلاح في الأمة بدون الإصلاح لا يضمن ارتفاع الهلاك عنها، بل لا بد أن يكونوا مصلحين، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، مع صلاح أنفسهم. أما الإصلاح بين الناس فهو كما قلتم: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤]، وكذلك قال تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩].***
الطالب: ومن أهم ما يكون أيضًا: السعي في الصلح بين المتنازعين، كما أمر الله بذلك في الدماء والأموال والحقوق بين الزوجين، والواجب أن يصلح بالعدل، ويسلك كل طريق يوصل إلى الملائمة بين المتنازعين، فإن آثار الصلح بركة وخير وصلاح، حتى إن الله أمر المسلمين إذا جنح الكفار الحربيون إلى المسالمة والمصالحة أن يوافقوهم على ذلك متوكلين على الله.وأمثلة هذه القاعدة لا تنحصر، وحقيقتها السعي في الكمال الممكن حسب القدرة، بتحصيل المصالح أو تكميلها، أو إزالة المفاسد والمضار أو تقليلها؛ الكلية والجزئية، المتعدية والقاصرة، والله أعلم.الشيخ: إذا جنح الكفار إلى المسالمة فقد قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال: ٦١]، وهذا في حال ضعف المسلمين، وأما في حال القدرة والقوة فإن الواجب مقاتلة الكفار حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩]، أو يسلموا، فإن أسلموا فذاك، وإلا بذلوا الجزية، فإن أبوا وجب علينا قتالهم، لا تعصبًا لما نحن عليه من الملة، ولكن إصلاحا لهم؛ لأن غيرهم إذا رآهم قوتلوا من أجل كفرهم ربما يسلم، فيكون في ذلك خير.ونحن إذا قاتلناهم لا نقول لهم: ادخلوا في ديننا؛ لأنه ديننا، ولكن نقول: ادخلوا في ديننا؛ لأنه ديننا ودينكم، وواجب عليكم أن يكون دينكم هذا؛ لأنه دين الله وأنتم عباد الله، فكان هذا الدين واجبًا علينا وعليكم، لكن أنتم خرجتم منه، فنريد أن نردكم إليه؛ ولهذا قال شعيب: بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف: ٨٩].فالإنسان يجب أن يبين لهؤلاء الكفار أننا لا نقاتلهم؛ يعني تعصبًا لدين نحن عليه في مقابل دين هم عليه، لكننا نقاتلهم؛ ليدخلوا في دين هو لنا ولهم، مفروض علينا وعليهم؛ لأنه دين الله الذي خلقهم، وأمرنا بقتالهم حتى يدخلوا في دين الله أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، والإنسان الحر لا يرضي أن يعطي الجزية عن يد وهم صاغرون، فيكون هذا عذابًا نفسيًّا يوجب لهم في النهاية أن يسلموا.الخلاصة: أن هذه القاعدة فيها إشارة إلى فائدة الصلح، وإلى فائدة الإصلاح، وأن الإنسان عليه أن يكون صالحًا بنفسه، ساعيًا في إصلاح غيره، هذه واحدة.ثانيًا: عليه أن يصلح بين المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وهذا خلاف طريق النمام -والعياذ بالله- الذي يسعى بين الناس بالإفساد والفرقة، وربما يخلق أشياء لم يكن لها أصلٌ، ربما يأتي إلى شخص ويقول: قال فيك فلان، وقال فيك فلان: كذا، وهو لم يقل، لكن ليفرق بينهم.وأشد من ذلك ما يسلكه بعض الناس -والعياذ بالله- الظلمة الذين هم في الحقيقة من أعداء الإسلام، أولئك الذين يَشُون بين العلماء بعضهم مع بعض، ويأتون إلى فلان ويقولوا: شفت فلان ويش قال؟ قال هذا الكلام المنكر، وربما يقول: قال فيك: كذا وكذا، وهو ما قال كل هذا من الأمور التي هي إفساد وليست إصلاحًا.وهؤلاء الذين يَشُون بين أهل العلم ويوقعون بينهم العداوة والبغضاء والأخذ والرد في أمور يسع المسلمين الخلاف فيها؛ لأنها أمور اجتهادية مبنية على الاجتهاد، هؤلاء في الحقيقة من أعداء المسلمين.هم يظنون أنهم مصلحون، وهم مفسدون، لماذا؟ لأن إضعاف جانب حملة الشرع هو إضعاف لجانب الشرع، فإذا أضعفنا حملة الشرع وجعلناهم خصماء فيما بينهم، فمعنى ذلك أننا أضعفنا الشرع كله، وصار الناس لا يثقون بأحد، كلما أراد أحد أن يحتج بقول عالم من علماء المسلمين، قال: لكن شوف ويش قال، وشوف، ويشتد عليه فلان، وشوف الأحدث، وشوف اشتد عليه فلان، هذا لا شك أنه أمر منكر، وأن هذا من وحي الشيطان لهؤلاء الأغرار الذين نعتبرهم صغار العقول وسفهاء الأحلام.فالواجب على المسلمين إذا رأوا تصدعًا منهم ولا سيما بين علمائهم أن يقوموا بالإصلاح ورأب الصدع وجمع الكلمة حتى يكون الناس أمة واحدة، كما قال الله تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢].وأنتم أيها الشباب عليكم إذا رأيتم مثل هؤلاء المفسدين أن تحذروا الناس منهم ومن طريقهم، وتبينوا أن هؤلاء من أشد الناس ضررًا، ليس على الشخص الذين يهاجمونه ولكن على المسلمين وعلى الإسلام، وهم ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، والعياذ بالله، فالواجب علينا أن نصلح ما استطعنا.ومع ذلك فإنه يجب علينا أن نقول كلمة الحق، ويمكن إظهار كلمة الحق بأن يقول الإنسان الحق بدون أن يتعرض للطعن في شخص، ما هو لازم يطعن في شخص، هو إذا قال الحق وبيَّنه بأدلته النقلية والعقلية عرف الناس فساد ضده، وبقيت الأمور ليس بها تحزب وليس فيها تكتل، وليس فيها: أنت مع فلان، وأنا مع فلان، كما هو حادث في بعض البلاد، نسأل الله السلامة والعافية.***
القاعدة السادسة والأربعون
ما أمر الله به في كتابه؛ إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه، فهذا أمر له بالدخول فيه، وإما أن يوجه لمن دخل فيه، فهذا أمر به ليصحح ما وجد منه، ويسعى في تكميل ما لم يوجد منه
وهذه القاعدة..الشيخ: هذه مهمة القاعدة؛ إذا وجه الخطاب بشيء إلى شخص لم يتصف به، فهذا أيش؟ أمرٌ بفعله وإيجاده، مثل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: ٢١] فليس كل الناس عابدين لله، فيكون هنا الخطاب موجهًا حتى الكفار يدخلون في هؤلاء، فيكون أمرًا لفعل هذا الشيء.أما إذا وجه الأمر إلى من تلبَّس به واتصف به فهو أمر بتحقيقه وتكميل ما نقص منه، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: ١٣٦]، وما أشبه ذلك.وهذه القاعدة مهمة؛ لأنه أحيانًا يرد على الإنسان: كيف يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِكيف يقول: آمِنُوا بِاللَّهِ؟الطالب: فإذا كان القوت الضروري من الطعام والشراب
إذا صار بحالة يتأذى منه البدن ويتضرر منع منه، فكيف بغيره؟!
وكذلك أباح الله
للمريض التيمم إذا كان استعمال الماء يضره حميةً له عن المضرات كلها.
وأباح
للمحرم الذي به أذًى من رأسه أن يحلقه ويفدي، وهذا من باب الاستفراغ وإزالة ما يؤذي
البدن، فكيف بما ضرره أكبر من هذا؟!
ونهى عن الإلقاء باليد إلى التهلكة، فيدخل
في ذلك استعمال كل ما يتضرر به الإنسان من الأغذية والأدوية، ودفع ما يضر بمدافعته
الذي لم يقع والتحرز عنه بمعالجة الحادث بالطريقة الطبية النافعة.
وكذلك ما ذكره
الله في كتابه من الأعمال كلها، كالجهاد والصلاة والصوم والحج، وبقية الأعمال،
والإحسان إلى الخلق، فإنها وإن كان المقصود الأعظم منها نيل رضا الله وقربه وثوابه
والإحسان إلى عبيده، فإن فيها صحة للأبدان وتمرينًا لها، ورياضة وراحة للنفس،
وفرحًا للقلب، وأسرارًا خاصة تحفظ الصحة وتنميها وتزيل عنها المؤذيات.
وبالجملة،
فإن جميع الشرائع ترجع إلى صلاح القلوب والأرواح والأخلاق والأبدان والأموال في
الدنيا والآخرة، والله أعلم.
الشيخ: هذه أيضًا
قاعدة نافعة خلاصتها: أن القران أرشد إلى أصول الطب الثلاثة، وهي: فعل ما يحفظ
الصحة والبدن، والحمية عما يضره، وإزالة ما يؤذيه؛ يعني بعد وقوعه.
وكلها ذكرها
الله سبحانه في القرآن: كُلُوا وَاشْرَبُوا [الأعراف: ٣١]، فهذا أيش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لا، هذا استعمال ما يحفظ الصحة، وَلَا تُسْرِفُواهذا؟
طالب: حمية.
الشيخ: هذا الحمية عما يضر.
أما رفع ما كان ضارًّا فذكر
المؤلف رحمه الله له فدية الأذى، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ [البقرة: ١٩٦] يعني: فليحلقه، ففي هذا إزالة
المؤذي.
وإذا تم للبدن حفظ الصحة، وحمايته مما يضره أو يؤذيه، ورفع ما أضر به
وأذاه؛ تم صحته.
***
القاعدة الحادية والأربعون
يرشد الله عباده في كتابه من جهة العمل إلى قصر نظرهم إلى الحالة الحاضرة التي هم فيها، ومن جهة الترغيب فيه، والترهيب من ضده إلى ما يترتب عليها من المصالح، ومن جهة النعم إلى النظر إلى ضدها
وهذه القاعدة الجليلة دلَّ عليها القرآن في آيات عديدة، وهي من أعظم ما يدل على حكمة الله، ومن أعظم ما يرقى العاملين إلى كل خير ديني ودنيوي، فإن العامل إذا كان مشتغلًا بعمله الذي هو وظيفة وقته؛ فإن قصر فِكره وظاهره وباطنه عليه نجح، وتم بحسب حاله.| وَانْتَهِزِ الْفُرْصَةَ إِنَّ الْفُرْصَه | تَكُونُ إِنْ لَمْ تَنْتَهِزْهَا غُصَّه |
***
الطالب: وأما الأمور المتأخرة، فإن الله يرشد العاملين إلى ملاحظاتها؛ لتقوى هممهم على العمل المثمر للمصالح والخيرات، وهذا كالترغيب المتنوع من الله على أعمال الخير، والترهيب من أفعال الشر بذكر عقوباتها وثمراتها الذميمة، فاعرف الفرق بين النظر إلى العمل الآخر الذي لم يجئ وقته، وبين النظر إلى ثواب العمل الحاضر الذي كلما فترت همة صاحبه وتأمل ما يترتب عليه من الخيرات استجدَّ نشاطه وقوي عليه، وهانت عليه مشقته، كما قال تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤].***
الطالب: وأما إرشادهم من جهة النعم التي على العبد مِنَ الله بالنظر إلى ضدها ليعرف قدرها ويزداد شكره لله، ففي القرآن منه كثير، يُذكِّر عباده نعمته عليهم بالدين والإسلام وما ترتب على ذلك من النعم، كقوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًاإلى قوله: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣] أي: إلى الزيادة لشكر نعم الله.***
القاعدة الثانية والأربعون
في أن الله قد ميز الله في كتابه بين حقه الخاص وحق رسوله الخاص والحق المشترك
الحقوق ثلاثة؛ حق لله وحده لا يكون لغيره، وهو عبادتُه وحده لا شريك له بجميع أنواع العبادات، وحق لرسوله صلى الله عليه وسلم خاص به، وهو التعزير والتوقير والقيام بحقه اللائق والاقتداء به، وحق مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله، وطاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، وقد ذكر الله الحقوق الثلاثة في آيات كثيرة من القرآن.***
الطالب: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَهذا مختص بالله تعالى، ولكن ينبغي أن يعرف العبد أن الحق المشترك ليس معناه أن ما لله منه يثبت نظيره من كل وجه لرسوله، بل المحبة والإيمان والطاعة لله لا بد أن يصحبها التعبد والتعظيم لله والخضوع، وأما المتعلق بالرسول من ذلك، فإنه حب في الله وطاعة؛ لأجل أن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، بل حق الرسول على أمته من حق الله، فيقوم المؤمن به امتثالًا لأمر الله وعبودية له، وقيامًا بحق رسوله وطاعة له.***
القاعدة الثالثة والأربعون
يأمر الله بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي يُخشى من عواقبها،
ويأمر ويحث على المبادرة على أمور الخير التي يُخشى فواتها
***
الطالب: وأما القسم الثاني فقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُالآيات فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون: ٦١]، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: ١٠] أي: السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون في الآخرة إلى الجنات والكرامات، والآيات كثيرة في هذا المعنى.| قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِه | وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ |
| وَرُبَّمَا فَاتَ قَوْمًا جُلُّ أَمْـــــــــــــــرِهِمُ | مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْ عَجِلُوا |
| قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِه | وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ |
| وَرُبَّمَا فَاتَ قَوْمًا جُلُّ أَمْـــــــــــرِهِمُ | مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْ عَجِلُوا |
***
القاعدة الرابعة والأربعون
عند ميلان النفوس أو خوف ميلانها إلى ما لا ينبغي يذكِّرها الله ما يفوتها من الخير وما يحصل لها من الضرر
وهذا في القرآن كثير، وهو من أنفع الأشياء في حصول الاستقامة؛ لأن الأمر والنهي المجرد لا يكفي أكثر الخلق في كفهم عما لا ينبغي، حتى يقرن بذلك ما يفوت من المحبوبات التي تزيد أضعافًا مضاعفة على المكروه الذي يكرهه الله وتميل إليه النفس وما يحصل من المكروه المرتب عليه، كذلك قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٢٨]، فهنا لما ذكر فتنة الأموال والأولاد التي مالت بأكثر الخلق عن الاستقامة، قال مذكرًا لهم ما يفوتهم إن افتتنوا وما يحصل لهم إن سلموا من الفتنة: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٨].***
القاعدة الخامسة والأربعون
حثَّ الباري في كتابه على الصلاح والإصلاح
| وَكَوْنُهُ بِدُونِ (أَنْ) بَعْدَ (عَسَى) | نَزْرٌ وَ(كَادَ) الْأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا |
***
الطالب: فإن الله أمر بالصلاح في آيات متعددة والإصلاح، وأثنى على الصالحين والمصلحين في آيات أخر.***
الطالب: ومن أهم ما يكون أيضًا: السعي في الصلح بين المتنازعين، كما أمر الله بذلك في الدماء والأموال والحقوق بين الزوجين، والواجب أن يصلح بالعدل، ويسلك كل طريق يوصل إلى الملائمة بين المتنازعين، فإن آثار الصلح بركة وخير وصلاح، حتى إن الله أمر المسلمين إذا جنح الكفار الحربيون إلى المسالمة والمصالحة أن يوافقوهم على ذلك متوكلين على الله.***
القاعدة السادسة والأربعون
ما أمر الله به في كتابه؛ إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه، فهذا أمر
له بالدخول فيه، وإما أن يوجه لمن دخل فيه، فهذا أمر به ليصحح ما وجد منه، ويسعى في
تكميل ما لم يوجد منه